ما معنى الزمن؟ وما دلالات المكان؟ وما أسرار عالم المادة من حولنا وداخلنا؟ أسئلة لا تزال تبحث عن إجابات شافية، ولا يزال العلماء يعكفون على سبر أغوار المادة واكتشافها. ولكن هل نستطيع التحكم في شيء ما، من دون رؤيته بتفاصيله الدقيقة، ومن دون أن نعرف كيف يتحرك ويتفاعل ومتى؟
لأكثر من خمسين عامًا، مكننا الميكروسكوب الإلكتروني من الحصول على صور ثابتة للجزيئات تعتمد على الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق. ولكن الدكتور أحمد زويل نفذ فكرة «عبقرية وبسيطة»، عبر إضافة بُعد آخر هو الزمن، حين ابتكر الميكروسكوب رباعي الأبعاد الذي نستطيع من خلاله وبأشعة الليزر تصوير حركة الجزيئات ورصد مساراتها في المكان والزمان. وقد وصف زويل ذلك بقوله: "نرى فيلمًا متكاملًا ودقيقًا لهذه الحركة".
ويرصد الميكروسكوب التفاعلات الكيماوية داخل الجزيئات من خلال وحدتين زمنيتين هما الفمتوثانية والأتوثانية، ومن المعروف أن الدكتور زويل حصل عام 1999 على جائزة نوبل في الكيمياء عن ابتكاره كاميرا ذات مصراع (سرعة الغالق) يمكنه التقاط صور في نطاق زمني ضئيل جدًّا يعرف بالفمتوثانية. والفمتوثانية هي وحدة زمنية تقدر بألف مليون مليون من الثانية، أما الأتوثانية فهي مليون مليون مليون من الثانية.
فريق متكامل
كون زويل فريق عمل متكاملًا من الأطباء والكيميائيين والفيزيائيين، بالإضافة إلى باحثين في علوم المواد، حيث خرج الميكروسكوب رباعي الأبعاد إلى النور ليفتح آفاقًا لا حد لها في مجالات العلوم الفيزيائية والكيميائية والطبية، ويكشف أسرار سلوك المواد والجزيئات مكانًا وزمانًا.
أعطى الدكتور زويل أهمية كبرى لتوظيف اكتشافاته في علاج الأمراض. وكان يردد دائمًا: "إن مصدر سعادتي الأول هو اكتشاف الجديد بين المعامل والمختبرات، ولا تزال رغبتي الأكيدة هي المُضي في أبحاثي الجديدة أملًا في الوصول إلى أسرار المرض وتخفيف آلام البشر".
مجلة «للعلم» توجهت إلى حيث يوجد أول مجهر إلكتروني رباعي الأبعاد في المنطقة العربية، في مركز التصوير والميكروسكوب (CIM) بجامعة زويل للعلوم والتكنولوجيا؛ لاستكشاف آفاق التطبيقات العلمية للميكروسكوب في العديد من مجالات العلم المختلفة.
سؤال الزمن
في المبنى الرئيس بمدينة زويل للعلوم، وبالتحديد في الغرفة رقم 254، التقينا الدكتور <محمد ثروت> الباحث في فريق الدكتور زويل، والذي عمل معه على اختراع الميكروسكوب رباعي الأبعاد.
والدكتور محمد ثروت تخرج في كلية العلوم جامعة القاهرة، وحصل على درجة الماجستير من معهد علوم الليزر في نفس الجامعة، ثم درس علم الضوء الكمومي quantum optics في معهد ماكس بلانك في ميونيخ، وبعدها اختاره الدكتور زويل للانضمام إلى فريقه البحثي.
يبسط لنا الدكتور ثروث فكرة الميكروسكوب رباعي الأبعاد، حيث يشبهه بكاميرا التليفون المحمول، فأنت تصور به عندما تريد بناء قصة كاملة عن المكان بكافة تفاصيله، متى ذهبت؟ كم من الوقت بقيت؟ وأية أجزاء في المكان قمت بزيارتها؟ هذا بالضبط ما يفعله الميكروسكوب رباعي الأبعاد.
فهو، وفق د. ثروت، يسجل فيديو لحركة الجزيئات داخل المادة، وهذا يعطينا تصورًا كاملًا عن هذه الجزيئات، ماذا تفعل وكيف تتحرك منذ بداية التفاعل الكيميائي وحتى نهايته.
ومن هنا نبحث عن إجابات لتساؤلات مهمة. هل نستطيع إيقاف هذه الحركة أو التحكم فيها أو تغييرها؟ إن زيادة فهمنا لهذه التفاعلات الكيميائية لا شك ستساعدنا كثيرًا في العديد من المهام، ومنها مثلًا ابتكار أدوية جديدة لعلاج بعض الأمراض المستعصية لو فهمنا الحركة الكيميائية للجزيئات في المادة.
درجات وضوح أعلى
قد يكون السؤال الآن: ما أهمية معرفة الزمن إلى جانب معرفة الأبعاد الثلاثة لأية مادة؟ يشرح د. ثروت ذلك من خلال مثال علمي وعملي، إذ يقول: "أعمل الآن على تجربة على التسلسل الجيني للإنسان DNA[الدي إن إيه]، وهو مركب بيولوجي يوجد في أجسادنا، وهذا المركب ثلاثي الأبعاد، وعبارة عن شريطين ملفوفين بعضهما حول بعض. ويتأثر بالوسط المحيط به والمياه المحيطة به. ويستطرد: لو استطعنا تصوير حركة جزيء الدي إن إيه بالأبعاد الثلاثة وأضفنا البعد الرابع وهو الزمن من خلال الميكروسكوب رباعي الأبعاد فسنستطيع أخذ صور متتالية ونسجل فيديو له، نعرف من خلاله كيف يتغير هذا الجزيء وما يحدث به من تفاعلات مع تغير الزمن.
وعن المدى الذي وصل إليه هذا الميكروسكوب في التصوير بالأبعاد الأربعة وهل يمكن تصوير ما هو أصغر من الجزيء ؟ يجيب د. ثروت: "إنه كلما زادت دقة القياس الزمنية استطعنا تصوير الحركات الأسرع وبدرجة وضوح عالية جدًّا وبملامح واضحة، وهذا ما نحاول أن نفعله بالميكروسكوب رباعي الأبعاد"، ويضيف: نعمل على تطويره بشكل دائم ليحقق درجات وضوح أعلى، سواء للزمان أو للمكان.
ويوضح بقوله: "حتى الآن يصور الميكروسكوب الجزيئات وبعض الذرات، ولكننا نريد أن نصل به إلى تصوير الإلكترونات ذات السرعة الهائلة، وهذا هو هدفنا الأساسي الآن".
الوصول إلى الأتوثانية
ويسعى العلماء الآن بالوصول بقدرات الميكروسكوب الإلكتروني رباعي الأبعاد إلى أفق زمني أبعد، يمكننا من كشف المزيد من أسرار المادة. يقول د. ثروت إنهم يحاولون أن يأخذوا سرعة الميكروسكوب رباعي الأبعاد من الفمتوثانية إلى الأتوثانية لتحقيق هذا الهدف. "لقد كان هذا هو موضوع بحثي للدكتوراة لاستحداث ليزر أسرع ألف مرة من الفمتو ثانية، أي الأتوثانية".
باستخدام هذا الليزر الجديد اتضح أن الزمن الذى يحتاجه الإلكترون ليتحول من الحالة الخاملة للحالة النشطة حوالي مئة إلى مئة وعشرين أتوثانية، ويوضح د. ثروت: "الأمل الآن أن نستطيع تصوير ذلك، والدمج ما بين ليزر الأتوثانية والميكروسكوب رباعي الأبعاد". ويضيف: نعمل الآن على بحث يجري التعاون فيه بين جامعة زويل وجامعة كالتك، لاستخدام الميكروسكوب رباعي الأبعاد لتصوير جزيئات الدي إن إيه.
يقول د. ثروت: "نريد أن نعرف حركة الدي إن إيه عندما نقلل المياه حوله أو نزيدها مثلًا. ونستطيع أن نتحكم في حجم هذه المياه باستخدام أشعة الليزر".
ويضرب الدكتور محمد ثروت مثلًا بمرض ألزهايمر، ولماذا لا يوجد له علاج حتى الآن ؟ يوضح أن علاج أي مرض يعتمد على تناسب العلاج مع التركيب الثلاثي لجزيء الدي إن إيه، وهذا لم يحدث حتى الآن في حالة ألزهايمر. والحل، وفق رأيه، أن يسخن الدي إن إيه لدرجة سبعين درجة مئوية حتى يتغير شكله ثلاثي الأبعاد، فيصبح متناسبًا مع الدواء. ولكن، كيف سنفعل ذلك؟ نستطيع بالميكروسكوب رباعي الأبعاد معرفة التغير الذي يطرأ على حركة جزيء الدي إن إيه في الزمن، في أي مدى زمني، وعند أية جرعة يصبح الشكل متناسبًا مع الدواء لكى يحقق الدواء النتيجة المرجوة.
الميكروسكوب وعلاج الأمراض
يمهد الميكروسكوب رباعي الأبعاد طريقًا جيدًا لعلاج العديد من الأمراض، وهذا ما يوضحه لنا الدكتور <شريف الخميسي> المسؤول عن أبحاث الجينوم والعلوم الطبية فى مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا بمعلومات عن المادة الوراثية (الدي إن إيه).
أتاح الميكروسكوب الإلكتروني التعرف على ما يطرأ على المادة الحية في أدق تفاصيلها من تغيرات، وما يحدث بينها من تفاعلات، خاصة حال تعرضها لأية كسور في مادتها الوراثية، قد يترتب عليها التعرض للإصابة بمرض ما.
 يوضح الخميسي: كنا نتخيل أن هذه المادة ثابتة ولا يحدث بها تغيرات، ولكن ظهر علم الجينوم وعرفنا أن المادة الوراثية غير ثابتة، وهناك متغيرات كثيرة تحدث فيها من جراء التعرض لعوامل عديدة تسبب كسورًا فى هذه المادة الوراثية.
ويضيف الخميسي أن بعض هذه العوامل هي التفاعلات الكيماوية داخل الخلية، وبعض نواتج هذه التفاعلات هي الأجسام الحرة التى قد تهاجم الحمض النووي الدي إن إيه وتؤدي إلى كسور فى المادة الوراثية، كما يحدث فى مرض السرطان.
يقول الخميسي: "تتعرض المادة الوراثية إلى حوالي سبعة كسور فى الخلية الواحدة فى الدقيقة الواحدة"، ويشدد على أنه بنعمة الله علينا أن أعطى الخلية جيوشًا من الإنزيمات والبروتينات تدافع عنها وتحافظ على سلامة المادة الوراثية، وإذا حدث كسر لهذه المادة الوراثية تعمل هذه الجيوش فورًا على إصلاحه، وهناك عوامل خارجية أيضًا تهاجم الخلية، وهي التلوث البيئي بأنواعه المختلفة.
ويتساءل الخميسي: فماذا لو كُسرت المادة الوراثية ولم تستطع هذه الجيوش حمايتها أو إصلاح الكسر؟ هناك سيناريوهان: الأول أن الخلية قد تقرر الاستمرار من دون إصلاح هذه الكسور، وعندها ستحدث الطفرات الوراثية، حيث يحدث تحور فى المادة الوراثية، وستختلف وظائف هذه الخلية وتصبح خلية سرطانية شاردة.
ويضيف الخميسي أن السيناريو الثاني هو أن الخلية قد تقرر أن تتوقف تمامًا عن أداء عملها وتموت، وحينها يحدث ضمور الخلايا العصبية وأمراض عصبية عديدة، منها فقدان الذاكرة وعدم القدرة على التركيز واختلال الحركات الإرادية وخاصة لدى كبار السن، إذًا فأي كسور فى المادة الوراثية لا بد أن تُصلَح، ومن هنا تتضح أهمية الميكروسكوب رباعي الأبعاد الذى يتيح لنا رؤية حركة الجزيئات بدقة عالية تفوق الفيمتوثانية، والآن وصلت إلى الأتوثانية فنعرف سرعة حركة الجزيء. 
ويوضح الخميسي: وإذا عرفنا البعد الزمني لمكونات هذه الجيوش التي تدافع عن الخلية، نستطيع فهم حركتها وكيفية حدوثها وما الذي يؤثر فيها، وهذا سيساعد فى علاج الأمراض، عندما نتمكن من إصلاح هذه الحركة وضبطها، والتعامل مع أية كسور فيها.
آفاق غير محدودة
 للميكروسكوب الإلكتروني أيضًا تطبيقات أخرى متوقعة في عالم المادة، لا تقل أهمية عما أحدثه في علوم الخلية الحية وتطبيقات البيوتكنولوجي، وعن كيفية الاستفادة من هذا الميكروسكوب فى تطوير علوم النانو تكنولوجي، يقول دكتور محمد ثروت: إن علماء النانو تكنولوجي كانوا يحاولون التعرف على حركة الجزيئات داخل المادة من خلال علم الأطياف الضوئية، ولكن الطيف يقدم لنا صورة غير مباشرة، وببعض الحسابات نصل إلى استنتاجات، وقد تكون هناك نسبة خطأ، ومن هنا فالعلماء يقولون: Seeing Is Believing «الرؤية أساس التيقن» والميكروسكوب هو عيننا التي نرى بها أشياء لم نكن نستطيع رؤيتها من قبل، وعندما نفهم التفاعلات الكيمائية داخل المواد بدقة سنحسن هذه المواد وسنعرف التغيرات فى خواصها وجودتها، وقد نضيف لها مواد جديدة، ولذا فالميكروسكوب يُحدِث طفرة غير مسبوقة فى النانو تكنولوجي وعلم المواد أيضًا.
المصدر:
SCIENTIFIC AMRICAN